الشيخ محمد علي طه الدرة

308

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ : المراد بالعهد : النّبوة ، والإمامة ، والقدوة الحسنة . هذا ؛ وقرئ : ( الظالمون ) والمعنى لا يتغيّر ؛ لأن من نالك ؛ فقد نلته ، ومن نلته ؛ فقد نالك . هذا ؛ و ( إِبْراهِيمَ ) اسم عجمي ، ومعناه : أب رحيم ، وهو إبراهيم بن تارخ ، وهو آزر بن ناخور ابن شاروع ، بن أرغو بن فالغ ، بن عابر ، بن شالح ، بن أرفحشد بن سام بن نوح عليه السّلام ، وقد ولد بحرّان من أرض العراق ، ولكن نقله أبوه إلى أرض بابل ، وهي أرض نمرود الجبّار ، وإبراهيم - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - يعترف بفضله جميع الطوائف البشرية قديما ، وحديثا ، فأمّا اليهود ، والنّصارى ؛ فإنّهم مقرّون بفضله ، ويتشرفون بالانتساب إليه ، وأنهم أولاده ، وأمّا العرب في الجاهلية ؛ فإنهم يعترفون أيضا بفضله ، ويتشرفون بالانتساب إليه أيضا ؛ لأنهم أولاده . ومن ساكني حرمه ، وخدّام بيته . ولمّا جاء الإسلام ؛ زاده اللّه شرفا ، وفضلا . هذا ؛ ومناسبة الآية والتي بعدها لما قبلها : أنّ اللّه تعالى لما ذكر في الآيات السابقة نعمه على بني إسرائيل ، وبيّن كيف كانوا يقابلون النّعم بالكفر ، والعناد ، ويأتون المنكرات في الأقوال ، والأعمال ؛ وصل حديثهم بقصّة إبراهيم أبي الأنبياء الّذي يزعم اليهود ، والنصارى انتماءهم إليه ، ويقرّون بفضله وشرفه ، ولو كانوا صادقين ؛ لوجب عليهم اتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ودخولهم في دينه القويم ؛ لأنه أثر دعوة إبراهيم الخليل حين دعا لأهل الحرم ، ثم هو من ولد إسماعيل عليه السّلام ، فكانوا أولى بالاتباع ، والتمسّك بشريعته الحنيفية السّمحة التي هي شريعة إبراهيم على نبينا ، وعليهم ألف صلاة ، وألف سلام . الإعراب : وَإِذِ : الواو : حرف عطف ؛ إذا كان الكلام موجها إلى اليهود ، وحرف استئناف ؛ إذا كان موجها للنّبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ( إِذِ ) : ظرف لما مضى من الزمان متعلّق بفعل محذوف ، تقديره : اذكروا ، أو : اذكر حسب المراد من الكلام ، كما ترى ، مبني على السكون في محل نصب . وقيل : هو في محل نصب مفعول به للفعل المقدّر ، وانظر الشرح والإعراب في الآية رقم [ 30 ] . ابْتَلى : فعل ماض . إِبْراهِيمَ : مفعول به ، وهو واجب على التقديم على الفاعل هنا عند جمهور النّحاة ؛ لأنه متى اتصل بالفاعل ضمير يعود إلى المفعول وجب تقديمه لئلا يعود الضّمير على متأخر لفظا ، ورتبة . رَبُّهُ : فاعل ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله ، وفاعله مستتر فيه ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ( إِذِ ) إليها . هذا ؛ وقرئ برفع ( إبراهيم ) ونصب ( ربّه ) على أنه دعا ربّه ، وهي قراءة شاذة قراءة وعربيّة لعود الضمير حينئذ على متقدم لفظا ورتبة ، قال ابن مالك - رحمه اللّه تعالى - في ألفيته : [ الرجز ] وشاع نحو خاف ربّه عمر * وشذّ نحو زان نوره الشّجر فالشّطر الأول للقراءة الأولى ، وهي سبعية ، والشّطر الثاني للقراءة الثانية الشّاذة ، انظر الشاهد رقم [ 308 ] وما بعده من كتابنا : « فتح ربّ البرية » ؛ تجد ما يسرك ، ويثلج صدرك .